السيد كمال الحيدري
70
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )
وأمّا القَدرُ فهو ما يلحقُ الشيءَ مِن كمّية أو حدٍّ في صفاتِه وآثارِه ، والتقديرُ تعيينُ ما يلحقُه من الصفاتِ والآثارِ تعييناً علميّاً يتبعُه العملُ على حسبِ ما تسعُه الأسبابُ والأدواتُ الموجودةُ ، كما أنّ الخيّاطَ يقدِّرُ ما يخيطُه من اللباسِ على الثوبِ الذي بينَ يديْه ، ثمّ يخيطُ على ما قدّرَ ، والبنّاءُ يقدّرُ ما يريدُه من البناءِ على القاعةِ من الأرضِ على حسبِ ما تسعُه وتعينُ عليه الأسبابُ والأدواتُ الموجودةُ عندَه . ثمّ يبني البناءَ على طبقِ ما قدّرَ ، لأسبابٍ متجدّدةٍ توجبُ عليه ذلك . فالتقديرُ بالنسبةِ إلى الشيءِ المقدَّرِ كالقالبِ الذي يُقلبُ به الشيءُ فيُحدُّ به بحدٍّ أو حدودٍ لا يتعدّاها . وإذا أُخذ هذا المعنى بالتحليل حقيقيّاً ، انطبقَ على الحدودِ التي تلحقُ الموجوداتِ المادّيةَ من ناحيةِ عللِها الناقصةِ بما لها من الصورِ العلميّةِ في النشأةِ التي فوقَها ، فإنَّ لكلِّ واحدٍ من العللِ الناقصةِ بما فيها من الحيثيّاتِ المختلفةِ أثراً في المعلولِ يخصِّصُ إطلاقَه في صفتِه وأثرِه . فإذا تمَّ التخصيصُ بتمامِ العلّةِ التامّةِ حصلَ له التعيّنُ والتشخّصُ بالوجودِ الذي تقتضيهِ العلّةُ التامّةُ . فللإنسانِ مثلًا خاصّةُ الرؤيةِ ، لكن لا بكلِّ وجودِه بل من طريقِ بدنِه ، ولا ببدنِه كلِّه بل بعضوٍ منه مستقرٍّ في وجهِه ، فلا يرى إلّا ما يواجهُه ، ولا كلَّ ما يواجهُه بل الجسمَ ، ولا كلَّ جسمٍ بل الكثيفَ من الأجسامِ ذا اللون ، ولا نفسَ الجسمِ بل سطحَه ، ولا كلَّ سطوحِه بل السطحَ المحاذيَ ، ولا كلَّ وضعٍ ولا كلَّ حالٍ ولا كلَّ مكانٍ ولا كلَّ